ملخص: يستعرض المقال العلاقة الفطرية بين الإنسان والإيمان بالله، مستندًا إلى أدلة من الدين والعلم التجريبي الحديث. تُظهر الدراسات، مثل تلك الصادرة عن جامعة أكسفورد، أن الأطفال يولدون بميل طبيعي نحو الإيمان بالخالق. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد أن الإنسان يولد مفطورًا على التوجه نحو التوحيد، ولكن هذا الميل الأصيل يتأثر فقط بالبيئة أو الثقافة. وفي الأزمات، تظهر فطرة الإيمان هذه بقوة، حيث يلجأ الناس إلى الله، مما يدل على أن الإيمان بالله جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان الأساسية.
المقدمة
"الإيمان بالله جزء من طبيعة الإنسان." هذا ما ذكره مقال في صحيفة تلغراف البريطانية عن دراسة كبرى أجرتها جامعة أكسفورد، تظهر أن البشر لديهم استعداد طبيعي للإيمان بالله والحياة بعد الموت. استغرقت الدراسة ثلاث سنوات وشارك فيها 57 أكاديميًا من 20 دولة، ووجدت أن العمليات الفكرية للبشر "مرتبطة" بالمفاهيم الدينية. وقال قائدا الفريق البحثي البروفسور جاستن باريت (Justin Barrett) والبروفسور روبيرت تريغ (Robert Trigg) عن خلاصة البحث: «لقد جمعنا أدلة كثيرة تثبت أن التديّن حقيقة مشتركة في طبيعة الإنسان في المجتمعات المختلفة».[1]
هذه النتيجة تتوافق بشكل كبير مع ما يقرّه الإسلام من أن الإنسان يولد على فطرة الإسلام بمفهومه العام، وهو الاعتراف بالله خالقًا والاستلام له. وليس المقصود بذلك أنّ الإنسان يولد وهو يعرف العقائد الإسلامية أو أحكامها. ولكن الفطرة تستلزم الإقرار بوجود الخالق ومحبته. فإذا لم يوجد معارض لذلك، مثل تأثير البيئة أو الشبهات، فإنّ الأصل أنّ كل إنسان يؤمن بوجود الخالق ويحبه[2]
ما الدليل على أن الإنسان مفطور على الإيمان؟
الأدلة على أن الإنسان مفطور على الإيمان بالله تنقسم أدلة دينية وأدلة مؤيدة من العلم التجريبي الحديث، وهي تتضافر لتبرهن على أن هذا الميل الإيماني هو جزء أصيل من تكوين الإنسان، وأن أي انحراف عنه هو استثناء نتيجة لتأثيرات خارجية.
النوع الأول: الأدلة الدينية
القرآن الكريم، كتاب الله المعجز، يحمل بين دفتيه الكثير من الآيات التي تشهد على أن الإنسان مفطور على الإيمان بخالقه، وأن الفطرة الإنسانية موجهة نحو الحق، مؤكدة أن العودة إلى الله هي عودة إلى الأصل الطبيعي الذي فطر الناس عليه. فمن الآيات مثلًا: "فَأَقِم وَجهَكَ للدِّين حَنِيفًا فِطرَتَ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيها" [سورة الروم:30]. وهذه الآية تشير بوضوح إلى أن الله خلق الناس جميعًا على فطرة الإيمان، وأن التوجه إلى الدين هو جزء من هذا التكوين الفطري.
من وحي السنة النبوية، نستقي الحديث الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي يقول: "كل مولود يولد على الفطرة". هذا الحديث يلقي الضوء على أن كل إنسان، بمجرد ولادته، يحمل بذور الإيمان في جوهره، وأن أي انحراف عن هذه الطبيعة الإيمانية ليس إلا نتيجة لتأثيرات البيئة والتنشئة التي يتعرض لها.
تجمع هذه الأدلة الدينية بين آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لتبرهن على أن الإيمان بالله ليس اختيارًا طارئًا أو مجرد توجه فكري يتشكل بالتعلم أو الثقافة، بل هو عنصر جوهري وأصيل في تكوين الإنسان. فهذه النصوص الشريفة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن البشر، بفطرتهم النقية، يميلون نحو التوحيد والإيمان بخالقهم، وأن أي انحراف عن هذا الميل هو نتيجة للتأثيرات المضللة التي تفرض عليهم.
الأدلة من العلم التجريبي الحديث
قد سبقت الإشارة في بداية المقال أنّ جاستن باريت – بروفسور علم النفس النموي في جامعة أكسفورد - قاد مشروعًا علميًا ضخمًا أثبت أنّ الإيمان بالله جزء من طبيعة الإنسان. ولكنّه أيضًا ألف كتابه المشهور: "مؤمنون بولادة: علم الإيمان الديني لدى الأطفال" (Born Believers: The Science of Children's Religious Belief). وهذا الكتاب مبني على تجاربه العلمية خلال عشرين سنة، وقد دلّل بأدلة كثيرة جدًّا مبنية على أبحاث علمية أن الأولاد يولدون مفطورين على الإيمان بالخالق.
وقال البروفسور باريت عن خلاصة أبحاثه: «وبغضّ النظر عن الثقافة ودون الحاجة إلى تلقين بالإكراه، ينمو الأطفال بنزعة للبحث عن معنى محيطهم وفهمه، وعند منح المجال لتطوّر عقولهم ونموّها طبيعيًا يؤدّي بهم هذا البحث إلى اعتقاد بعالمَ مصمّم له غاية، وأن صانعًا حكيمًا قد صمّمه، ويفترضون أن هذا الصانع المقصود كلّي القدرة، وكلّي العلم، وكلّي الإدراك وأبدي»[3]
فهذه الأبحاث العلمية تشير إلى أنّ هذا الإيمان فطري، وليس نتيجة تلقين أو إكراه، وإنما هو إيمان فطري في عمق الإنسان.
وقد قرّر بول هيلم (Paul Helm) – بروفسور تاريخ الأديان - أن الشعور بالوجود الإلهي ليس حسًّا من الحواس الخمس المعروفة، ولكنّه يشبه هذا الحسّ؛ حيث إنه أصيل في الإنسان وعالمي يشترك فيه جميع البشر[4] . وذكر أن هذا الشعور جزء من كون الإنسان إنسانًا على وجه الحقيقة؛ قال: «البشرية ليست مخلوقة بإمكانية معرفة الله فحسب، بل بمعرفته حقيقة ... الإيمان بالله طبيعي، وهو جزء من أصل الإنسان، حيث إنه جزء من معنى كون الإنسان إنسانًا»[5] .
دلالة الفطرة على وجود الله
الفطرة الإيمانية، التي تدفعنا نحو الإيمان بالله، تكشف أن الإنسان لا يحتاج في الأصل إلى أدلة لإثبات وجود الله، فالإيمان جزء من طبيعتنا. ومن اللافت أن كلمة "الكفر" في اللغة العربية تعني "التغطية"، مما يدل على أن الكافر يغطي فطرته الإيمانية. هذا يُظهر كيف أن الإيمان يمكن أن يتراجع نتيجة لعوامل خارجية كالثقافة والبيئة.
لكن في لحظات الشدائد والأزمات، يمكن أن تستيقظ هذه الفطرة من جديد. كما يقول المثل الغربي: "لا يوجد ملاحدة في الخنادق"، إذ نجد الناس – حتى أشد الناس إلحادًا -يلجؤون إلى الله في الأوقات الصعبة، مما يعكس عمق الفطرة الإيمانية في طبيعتنا. وقد ذكر الله هذه الحقيقة في كتابه العزيز إذ يقول: "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (23)".
هذه الآية تُظهر كيف أن الإنسان يلجأ بفطرته إلى الله في الأزمات، مما يعكس عمق الفطرة الإيمانية في قلوب البشر.
وهذا يدفعنا إلى سؤال مهم: لماذا توجد هذه الفطرة في داخل الإنسان؟ لماذا يولد الأطفال مع هذه الفطرة؟ كيف يمكن لأعتى الملاحدة أن يلجئوا إلى خالقهم في وقت الشدائد؟ وقد سبق أنّ هذه الفطرة ليست نتيجة تلقين ولا إكراه، وهو أمر عام في البشرية عبر التاريخ، وفي بلدان وثقافات متعددة. وبالتالي، فلا يمكن أن يكون الجواب عن هذه الأسئلة أنّ هذه الفطرة من اختراع الإنسان نفسه، بل الأمر كما قرّر ألفن بلانتغا – بروفسور الفلسفة الأمريكي – أنه لا بدّ أن يكون هذا الميل الفطري مطبوعًا في داخل الإنسان من خارجه[6]
هذه الفطرة غرزها الله تعالى في نفوسنا لنعرفه ونحبه ونعبده ونلجئ إليه. هذه الفطرة جزء من معنى كون الإنسان إنسانًا.
[1] https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford-study.html
[2] انظر: درء تعارض العقل والنقل: (8/ 383).
[3] فطرية الإيمان -كيف أثبتت التجاترب أن الطفال يولدون مؤمنين بالله – (20 – 21).
[4] "John Calvin, the sensus divinitatis, and the noetic effects of sin," International Journal for Philosophy of Religion 43 (1998): 94.
[5] John Calvin's Ideas (222) (Oxford: Oxford University Press, 2004).
[6] Warranted Christian Belief (174)
by: Alvin Plantinga, Oxford University Press (2000)