ملخص: يستعرض هذا المقال أربع مقدمات أساسية حول الإيمان بالنبوات وأهميتها. يبين أن بعثة الرسل هي من آثار رحمة الله وحكمته، وأن التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب من أسهل الأمور على العقل البشري. كما يوضح أن الرسل متصفون بأعلى صفات الكمال البشري ومدعومون بالبراهين القاطعة على صدقهم. يوضح المقال أيضًا أن معرفة دلائل النبوة تفيد جميع الناس، من الملحدين إلى المؤمنين بالنبي محمد ﷺ، في تعزيز الإيمان وزيادة اليقين. يحث المقال على مواصلة القراءة لفهم المزيد من دلائل النبوة وأثرها في تثبيت القلوب.
المقدّمة:
في حياة كل إنسان، توجد لحظات تتسلل فيها أسئلة الوجود الكبرى إلى قلبه وعقله، فتثير في داخله الحيرة والتأمل. ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال النبوة، هذا السؤال الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليغوص في أعماق الروح الإنسانية باحثًا عن إجابة تكشف له سر هذه العلاقة الفريدة بين الخالق والبشر.
عبر التاريخ، أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل ليكونوا سُفَرَاءَه في الأرض، يحملون رسالته إلى البشرية، ويقودونها إلى نور الهداية بعد ظلمات الضلال. هذه البعثات النبوية ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي نعمة عظيمة من آثار رحمة الله وحكمته في تسيير شؤون عباده. إن النفوس البشرية، بما جُبِلَت عليه من حبٍ للمعرفة وتطلعٍ إلى الحق، تجد في بعثة الرسل إجابة لنداء فطرتها العميق، وإرواءً لعطشها إلى المعرفة الإلهية.
المقدّمات التمهيدية عن الإيمان بالرسل
سنستعرض في هذا المقال أربع مقدمات جوهرية تُعزِّز الإيمان بنبوة النبي محمد ﷺ وتؤكّد على أهمية هذا الإيمان في حياتنا. نبدأ بعرض هذه المقدمات واحدة تلو الأخرى، لنكشف عن عمقها وأثرها في تعزيز اليقين والإيمان. [1]
المقدمة الأولى: بعثة الرسل أثرٌ من آثار اتصاف الله بالرحمة والحكمة
إذا آمن الإنسان بوجود الله وأنه رحيم وحكيم، فإن الإيمان بالرسل يصبح ضروريًا. فمن رحمة الله وحكمته أن يرسل رسلًا ليرشدوا الناس إلى الطريق الصحيح. النفوس البشرية تتطلع دائمًا لمعرفة الله ومعرفة الحقيقة المطلقة، لكن العقول، مهما كانت ذكية، لا تستطيع الوصول إلى هذه الحقيقة بمفردها. لذا، من رحمة الله وحكمته أن يرسل الرسل ليكونوا وسطاء بينه وبين عباده، يرشدونهم إلى الحق ويبينون لهم طريق الهداية.
إن بعثة الرسل من أعظم نعم الله على البشرية، فبدون الرسل كان البشر ليعيشوا في ظلمات الجهل والضلال. فالرسل هم نور العالم، وبدون رسالتهم، تكون الحياة مظلمة ومشؤومة. القرآن الكريم يشير إلى هذا النور بقوله: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا" (النساء: 174).
المقدمة الثانية: التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب
إذا آمن الإنسان بأن الله رحيم وحكيم، فمن رحمة الله وحكمته أن يجعل التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب من أسهل الأمور على العقل البشري. فالنبي الصادق يتصف بأصدق الصفات وأكملها، بينما المتنبئ الكاذب يكون أكذب الناس وأخبثهم. وهذا التمييز يصبح أحيانًا أوضح من التمييز بين العاقل والمجنون، أو بين العالم والجاهل. فالنبي الصادق تظهر عليه علامات الصدق في كل أقواله وأفعاله، وتكون رسالته متوافقة مع الفطرة الإنسانية والعقل السليم.
من حكمة الله ورحمته أنه لا يسمح لكاذب أن يستمر أمره، بل لا بدّ أن يفضحه ويكشف حاله للناس. فالنبي الصادق يظهر صدقه عبر دلائل وبراهين واضحة، مثل المعجزات والإخبار بالغيب الذي يتحقق في الواقع.
النبي محمد ﷺ، على سبيل المثال، أخبر بأحداث مستقبلية تحققت بدقة، وهذا ما يجعل من السهل على العقلاء تمييزه عن المتنبئين الكاذبين الذين لا يملكون مثل هذه البراهين. فكلما ادعى شخص النبوة كذبًا، فإن الله يُظهر كذبه ويبطل أمره بسرعة، ولا يُمكن له أن يستمر في تضليل الناس.
إن الحكمة الإلهية تقتضي أن تكون رسالة النبي الصادق متوافقة مع الفطرة الإنسانية والعقل السليم، ومؤيدة بالبراهين القاطعة والدلائل الواضحة. وهذا يشمل ما يقدمه النبي من تعاليم، وما يظهره من أخلاق رفيعة وسلوك مستقيم. بالإضافة إلى ذلك، فإن التاريخ يشهد بأن كل من ادعى النبوة كذبًا قد انكشف أمره سريعًا، وافتضح كذبه أمام الناس. أما النبي الصادق، فإن الله يدعمه وينصره، ويجعل دعوته تستمر وتنتشر.
وبذلك، فإن من يؤمن بحكمة الله ورحمته يدرك أن الله لا يترك الناس في ضلال المتنبئين الكاذبين، بل يرسل لهم الأنبياء الصادقين الذين يهدونهم إلى الحق، ويبيّنون لهم طريق الهداية. إن التمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب هو من الأمور البديهية التي جُبلت عليها الفطرة السليمة والعقل المستنير، وهو جزء من نظام الله الحكيم في هداية البشر ورعايتهم.
المقدمة الثالثة: صفات الكمال للرسل ودعمهم بالبراهين
الله سبحانه وتعالى، بحكمته ورحمته، لم يرسل رسولًا إلا وكان متصفًا بأعلى صفات الكمال في النوع الإنساني، وكان مؤيدًا بأعظم الآيات والبراهين التي تدل على صدقه. الرسل يبلغون رسالات الله، ولذلك يجب أن يكونوا على درجة عالية من الكمال البشري ليكونوا قدوة حسنة للبشر. الله يذكر في القرآن: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات" (الحديد: 25)، وهذه البينات هي الأدلة القاطعة على صدقهم.
النبي محمد ﷺ كان له نصيب أكبر وأعظم من هذه الأدلة والبراهين، فقد أيده الله بالقرآن الكريم، وهو معجزة خالدة تتحدى العقول والأفهام. كل آية من آيات القرآن هي دليل على صدق رسالته، وكذلك الأحاديث النبوية والمواقف من سيرته. كل برهان من هذه البراهين حجة في نفسه، وعندما تُجمع هذه الأدلة معًا، تزداد قوتها ودلالتها على صدق النبي ﷺ.
المقدمة الرابعة: فائدة تعلّم دلائل النبوة
من يستفيد من تعلم دلائل النبوة؟ الحقيقة أن كل إنسان على وجه الأرض يستفيد من ذلك. فالبشر اليوم يمكن تصنيفهم إلى عدة أصناف:
1. الملحدون: هؤلاء الذين لا يؤمنون بوجود الله. دلائل النبوة تشكل لهم براهين قوية على وجود الله ذاته. وقد تم تناول هذا الموضوع بتفصيل في مقال مستقل سابقًا.
2. الربوبيون الذين يقرون بالخالق وينكرون النبوة:
دلائل النبوة تُبطل زعم هؤلاء، حيث تظهر جليًا أن هؤلاء الرسل مرسلون من عند الله الذي يقرون به.
3. أهل الكتاب (اليهود والنصارى): الذين يؤمنون ببعض الأنبياء دون بعض. المعرفة بدلائل نبوة محمد ﷺ تقطع بأنه مرسل من عند الله مثل موسى وعيسى. فالقرآن الكريم والمعجزات الكثيرة التي أيدت النبي محمد ﷺ تُظهر بوضوح أنه نبي، وأن رسالته هي امتداد للرسالات السابقة التي جاء بها موسى وعيسى عليهما السلام.
4. المؤمنون بالنبي محمد ﷺ: الذين يؤمنون بالفعل بنبوته، فإن تذكر هذه البراهين والتفكر فيها يزيد من قوة إيمانهم ويقينهم، ويثبتهم على الحق. فمعرفة براهين النبوة من أعظم أسباب الثبات على الإيمان، إذ إن المؤمن يجد في هذه الدلائل تأكيدًا لصدق ما يؤمن به، ويشعر بالمزيد من الطمأنينة واليقين.
من هذا المنطلق، يتبين أن دراسة دلائل النبوة وفهمها ليست مهمة للمشككين فقط، بل هي مفيدة وضرورية لكل إنسان، سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن، لما فيها من تعزيز للإيمان وتثبيت للقلوب.
الخاتمة
في ضوء ما تم استعراضه في هذا المقال من مقدمات حول الإيمان بالنبوات وأهميتها، نرى بوضوح كيف أن دلائل النبوة تعتبر ركنًا أساسيًا لتعزيز الإيمان وزيادة اليقين. إن بعثة الرسل من آثار رحمة الله وحكمته، فهي ليست مجرد حدث تاريخي بل نعمة عظيمة تهدف إلى هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور. والتمييز بين النبي الصادق والمتنبئ الكاذب يُظهر لنا بوضوح رحمة الله في إظهار الحق وفضح الباطل، مما يعزز ثقة المؤمنين برسالات الأنبياء.
صفات الكمال التي يتصف بها الرسل، ودعمهم بالبراهين القاطعة، تبرز عظمة هذه الشخصيات التي اختارها الله لتكون قدوة للبشر. والأهم من ذلك، نجد أن معرفة دلائل النبوة تفيد جميع الناس، سواء كانوا ملحدين أو مؤمنين بوجود الله لكن ينكرون الأنبياء، أو من أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الأنبياء دون بعض، وحتى المؤمنين بالنبي محمد ﷺ، فإن هذه المعرفة تزيد من إيمانهم ويقينهم.
لذا، نحث القارئ الكريم على مواصلة قراءة بقية المقالات التي تتناول دلائل النبوة بالتفصيل، لما فيها من فوائد عظيمة لكل إنسان؛ حيث سيجد فيها البراهين القاطعة والدلائل الواضحة التي تؤكد نبوة النبي محمد ﷺ وتبرز عظمة رسالته.
[1] استفدت هذه المقدّمات من كتاب شيخنا الأستاذ الدكتور صالح سندي: مراقي الوعي (59 - 60).